روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
69
عرائس البيان في حقائق القرآن
كلها بليات أولياء اللّه في سير أسرارهم في ميادين الوحدانية ، وبيداء الأزلية ، امتحنهم بهذه الصفات ليظهر صدق إرادتهم في طلب مشاهدة الحق عز وجلّ ، وينفخ بهذه نيران أشواقهم ، وبرياح الجذبة ، ونسيم الوصلة حتى يحترقوا بها في طب مبتغاهم بنعت الفناء ؛ لأن من شرط حقيقة القربة احتراق أرواح السابقين والمقتصدين في أنوار جلال المشاهدة . وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ بحصول مقصودهم من بعد خروجهم عن امتحاني ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ من هذه المصيبات فروا من قهري إلى حجر لطفي ، وسلموا أنفسهم إليّ حتى أفعل بهم ما أشاء ، وهذا قوله تعالى حاكيا عن خواص عباده : قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . قال الشافعي رضي اللّه عنه : الخوف خوف العدو ، والجوع شهر رمضان ، ونقص الأموال الزكاة ، والأنفس الأمراض ، والثمرات الصدقات ، وبشر الصابرين على أدائها . أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ عليهم بركات أنوار مشاهدة الحق تعالى ، و رَحْمَةٌ يعني رفع الامتحان عنهم ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إلى مقام الأمن بعد غيبوبتهم في صرف نور القدس ، وصفاء حجال الأنس . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 158 إلى 163 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162 ) وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 163 ) الصفا والمروة مخصوصان بأنوار التجلي لقوله عليه السلام : « جاء اللّه من سيناء ، واستعلى من ساعير ، وأشرف من جبال فاران » « 1 » ، وهما ملتبسان بصفاء إشراق شمس العزّة ، ومن صعد إليهما فينبغي أن يري فيهما ضياء لباس القدرة مستغرقا في نور المشاهدة ، وتقدس بنظره إليهما عن كدورات البشرية ، ويظهر فيه الأخلاق المحمودة بنعت صفاء المعرفة ، وأيضا ذكر الصفا والمروة إشارة إلى سرادق الملكوت والجبروت ؛ لأن الصفا والمروة حجابان لمكة ، ومكة حجاب الحرم ، والحرم حجاب البيت ،
--> ( 1 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 13 / 159 ) .